ابن عجيبة

13

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وثمة مثال ثان : فهم لا يعترفون بأن كلمة في القرآن وضعت مكان كلمة أخرى أو بمعناها ؛ ففي قوله جل شأنه : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ « 1 » لا يرون أن « عن » بمعنى « من » تمشيا مع إنابة حروف الجر بعضها عن بعض ، وإنما ينظرون إلى منطوق اللفظ نفسه ، وهو « عن ، » ففي اللغة تفيد معنى المجاوزة ، ويكون المراد - والله أعلم - : أن الحق يقبل التوبة متجاوزا عن عباده في توبتهم لعدم خلوصها ، رحمة منه بهم ، وذلك المعنى لا شك أبلغ وأفصح . على أن في مذهب أهل الإشارات حلا لكل العقد ، وحسما للخلافات ، وزوالا للشبه والريب من مسائل الكسب والاكتساب ، والجبر والاختيار ، والنعيم والعذاب للجسم أو للروح . . إلخ . كل هذا وغيره من خلافات أهل علم الكلام والعقائد لا ظل له عندهم ، لأنهم اطلعوا على سر الله في أقضيته ومقدراته ، وتحققوا بذلك ، فاستراحوا ، وملأت قلوبهم السكينة ، وأفئدتهم الطمأنينة ، فاستشعروا في حياتهم من السعادة ما لم يذقه غيرهم . ذلك لأنهم فتحوا عيون قلوبهم ، ولم يقيسوا بعقولهم ، لأن العقل مجاله محدود ، لا يكشف مهما كانت قدرته عما وراء الغيوب ، وإلا فبم يعلل العقل رؤية نبينا لموسى - عليهما الصلاة والسلام - مرتين في قصة الإسراء والمعراج ؛ مرة ببيت المقدس ، وهو يصلى وراءه ، وأخرى في السماء ، وهو يراجعه في أمر الصلاة ، مع أن موسى لم يترك قبره ، ولم يفارق مثواه . والعقل يحار أيضا أمام حديث سجود الشمس تحت العرش كل يوم ، وأنها لا تطلع حتى يؤذن لها بالطلوع ، مع أنها لا تغيب عن الكون لحظة . وشبه ذلك كثير من الأمثلة . هذا وفي سوق الواقعة الآتية ما يجعلك تلمس أن أهل التحقيق هم الذين يفهمون عن الله ورسوله ما لا يفهمه غيرهم ، وأنّ من رحمة الله بعباده أن يكونوا بينهم ، وإليك الواقعة : اشتكى رجل مرضا حار فيه « نطس » الأطباء ، فرأى رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يرشده إلى أن يأخذ من ثمرة شجرة ( لا ولا ) ويستعملها ففيها شفاؤه . وحار الرجل في تفسير رؤياه ، وحار معه في حل رمزها علماء العصر ، حتى شاء الله له الخير ، فالتقى برجل من أهل التحقيق ، فأجابه على الفور : أمرك يسير ، علاجك في شجرة الزيتون فهي التي يقول الله فيها : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ « 2 » . تلك - أيها القارئ - ومضة خاطفة من قبس أنوار أهل التحقيق ، ومكانتهم عند ربهم ، وجولة سريعة في علم الإشارات ، ومذهب أهله ، عرضناها عليك . ألمعنا بها إليك كتمهيد للسفر الجليل والكنز الثمين الذي نحن بصدد الحديث عنه ، والذي ظل طىّ الكتمان ودفين النسيان ، حتى قيّض الله له باحثنا أمينا ، له في هذا العمل ، من الشباب القوة ، ومن الشيوخ الخبرة ، فأخرجه إلى النور ، وهيأه للنشر والظهور . والآن يسعدني أن أقدم للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها عامة ، ولذوي الألباب والبصائر خاصة ، ولكل باحث متصوف : تفسير القرآن ، للعالم والداعية الكبير « ابن عجيبة » وهو نموذج من نماذج فيوضات أهل التحقيق ،

--> ( 1 ) من الآية 25 من سورة الشورى . ( 2 ) من الآية 35 من سورة النور .